يستعرض الباحث مهدر نسيبو في هذا التحليل أبعاد التحول الاستراتيجي في علاقة مصر بإريتريا، بالتوازي مع تصعيد إثيوبيا لخططها المائية على نهر النيل، حيث تتشابك الحسابات الجيوسياسية مع معادلات الضغط الإقليمي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.


يقدّم موقع هورن ريفيو قراءة معمّقة لمسار التوتر، موضحًا كيف تدفع التطورات الأخيرة نحو إعادة تشكيل ميزان القوى في القرن الإفريقي، مع تراجع فرص الحل التفاوضي لصالح أدوات الضغط غير المباشر.


إثيوبيا توسّع مشروعها المائي وتضيّق هامش التفاوض


أعلنت إثيوبيا خططًا جديدة لبناء ثلاثة سدود إضافية على النيل الأزرق بعد اكتمال سد النهضة وافتتاحه في 2025، ما وضع القاهرة أمام واقع أكثر تعقيدًا. أثار هذا التوجه ردود فعل حادة في مصر، خاصة بعد تصريحات سابقة لرئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي أكّد فيها أن أي خطوات إضافية ستواجه برد حاسم.


نجحت أديس أبابا في تمويل سد النهضة داخليًا رغم الضغوط المصرية التي عطّلت التمويل الدولي لسنوات، وهو ما منحها استقلالية استراتيجية. فشلت القاهرة في فرض اتفاق ملزم يقيّد تشغيل السد أو يحد من طموحات إثيوبيا المائية، ومع تشغيل السد الكامل وإعلان مشاريع جديدة، تقلّصت قدرة مصر على التأثير عبر القنوات الدبلوماسية المباشرة.


غيّر هذا الواقع قواعد اللعبة، حيث لم يعد التفاوض الثنائي كافيًا لتحقيق أهداف القاهرة، ما دفعها إلى البحث عن أدوات ضغط بديلة خارج الإطار التقليدي.


مصر تعيد رسم تحالفاتها الإقليمية عبر إريتريا


اتجهت مصر نحو بناء شبكة ضغط غير مباشرة عبر دول الجوار الإثيوبي، وبرزت إريتريا كأهم محور في هذا التوجه. استقبلت القاهرة وفدًا إريتريًا رفيع المستوى في زيارة رسمية شملت ملفات الاقتصاد والتجارة والطاقة، في إشارة إلى تعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.


عكست طبيعة الوفد ومستوى اللقاءات رغبة مصر في التأثير على التوجهات الاقتصادية والسياسية لإريتريا، بما يعزز موقعها في مواجهة إثيوبيا. حملت الزيارة رسائل سياسية واضحة، إذ هدفت إلى إظهار تقارب متزايد بين القاهرة وأسمرة، ليس فقط للتعاون الثنائي، بل أيضًا للضغط على أديس أبابا.


امتد هذا التقارب إلى مشاريع بنية تحتية استراتيجية، حيث عززت مصر وجودها في موانئ حيوية مثل عصب في إريتريا ودوراليه في جيبوتي، ما يمنحها قدرة على التأثير في طرق التجارة الإثيوبية. يضع هذا الانتشار مصر في موقع يسمح لها بممارسة ضغط اقتصادي غير مباشر، خاصة أن إثيوبيا تعتمد بشكل كبير على هذه الموانئ.


استراتيجية الاحتواء الإقليمي وتداعياتها على القرن الإفريقي


وسّعت مصر نطاق تحركاتها ليشمل مناطق أخرى مثل الصومال والسودان، حيث دعمت قوى محلية وعزّزت حضورها العسكري والدبلوماسي. يعكس هذا الانتشار بناء منظومة إقليمية هدفها احتواء النفوذ الإثيوبي بدلًا من مواجهته بشكل مباشر.


يدعم هذا التوجه تحالف القاهرة مع قوى مؤثرة في السودان، خاصة في ظل الحرب الداخلية، حيث تلاقت مصالح مصر وإريتريا في دعم طرف واحد، ما يعزز موقعهما الإقليمي. يضيف هذا التنسيق بعدًا جديدًا للصراع، إذ لم يعد مقتصرًا على ملف المياه، بل امتد ليشمل توازنات أمنية وسياسية أوسع.


تكشف هذه التحركات عن نمط واضح في السياسة المصرية يقوم على استخدام النفوذ غير المباشر، عبر مزيج من التحالفات العسكرية والاقتصادية. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تعويض الإخفاق في فرض شروط تفاوضية على إثيوبيا، من خلال خلق بيئة ضغط إقليمي مستمر.


في المقابل، ترى إريتريا في هذا التحالف فرصة لتعزيز موقعها بعد تراجع أدواتها التقليدية للضغط داخل إثيوبيا، خاصة مع ضعف الحركات المسلحة التي كانت تعتمد عليها. يوفّر الاندماج في شبكة النفوذ المصرية بديلًا استراتيجيًا يمنحها دورًا أكبر في المعادلة الإقليمية.


تعكس هذه التطورات مسارًا تصاعديًا نحو مزيد من الاستقطاب في المنطقة، حيث يتراجع منطق التسوية لصالح توازنات القوة. تشير المؤشرات إلى أن استمرار هذا النهج سيزيد من تعقيد الأزمة، خاصة مع غياب أفق واضح لاتفاق شامل حول إدارة مياه النيل.


ترسم هذه التحولات ملامح مرحلة جديدة في الصراع، تتداخل فيها الجغرافيا مع السياسة والاقتصاد، وتتحول فيها التحالفات إلى أدوات ضغط حاسمة. يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة هذه الاستراتيجيات على تحقيق أهدافها، أم أنها ستدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.

 

https://hornreview.org/2026/04/22/as-ethiopia-doubles-down-on-the-nile-egypt-deepens-its-eritrea-alignment/